الشيخ محمد علي التسخيري

84

محاضرات في علوم القرآن

وعلى ضوء هذه النظريّة في تعدّد نزول القرآن يمكننا أن نفهم الآيات الكريمة الدالّة على نزول القرآن في شهر رمضان أو إنزاله في ليلة القدر بصورة خاصّة نحو قوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ « 1 » وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 2 » وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ « 3 » ؛ فإنّ الإنزال الذي تتحدّث عنه هذه الآيات ليس هو التنزيل التدريجي الذي طال أكثر من عقدين وإنّما هو الإنزال مرّة واحدة على سبيل الإجمال . كما أنّ فكرة تعدّد الإنزال بالصورة التي شرحناها تفسّر لنا أيضا المرحلتين اللتين أشار إليهما القرآن الكريم في قوله كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ « 4 » ؛ فإنّ هذا القول يشير إلى مرحلتين في وجود القرآن ، أولاها أحكام الآيات ، والمرحلة الثانية تفصيلها ، وهو ينسجم مع فكرة تعدّد الإنزال فيكون الإنزال مرّة واحدة على سبيل الإجمال هي مرحلة الأحكام ، والإنزال على سبيل التدريج هي المرحلة الثانية أي مرحلة التفصيل . التدرّج في التنزيل استمرّ التنزيل التدريجي للقرآن الكريم طيلة ثلاث وعشرين سنة وهي المدّة التي قضاها النبي صلّى اللّه عليه وآله في امّته منذ بعثه إلى وفاته ، فقد بعث صلّى اللّه عليه وآله لأربعين سنة ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، ثمّ هاجر إلى المدينة وظلّ فيها عشر سنين ، و

--> ( 1 ) البقرة : 185 . ( 2 ) القدر : 1 . ( 3 ) الدخان : 3 . ( 4 ) هود : 1 .